ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
38
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ليكون الجميع على نسق واحد في النظم ، ولو قال وقدرنا القمر منازل لما كان بتلك الصورة في الحسن ، وعليه ورد قوله تعالى : فأما اليتيم فلا تقهر . وأما السائل فلا تنهر وإنما قدم المفعول لمكان حسن النظم السجعي . وأما تقديم خبر المبتدأ عليه فقد تقدمت صورته ، كقولك : زيد قائم ، وقائم زيد ؛ فمما ورد منه في القرآن قوله تعالى : وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فإنه إنما قال ذلك ولم يقل وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم لأن في تقديم الخبر الذي هو مانعتهم على المبتدأ الذي هو حصونهم دليلا على فرط اعتقادهم في حصانتها ، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم ، وفي تصويب ضميرهم اسما لأنّ وإسناد الجملة إليه دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزّة وامتناع لا يبالي معها بقصد قاصد ولا تعرض متعرض ، وليس شيء من ذلك في قولك : وظنوا أن حصونهم مانعتهم من اللّه . ومن تقديم خبر المبتدأ قوله تعالى : قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم « 1 » فإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله : أراغب أنت ولم يقل أأنت راغب لأنه كان أهمّ عندهم ، وهو به شديد العناية ، وفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته ، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها ، وهذا بخلاف ما لو قال أأنت راغب عن آلهتي . ومن غامض هذا الموضع قوله تعالى : واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا فإنه إنما قال ذلك ولم يقل فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لأمرين : أحدهما تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها ؛ أما الأول فلو قال فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لجاز أن يضع موضع شاخصة غيره ، فيقول : حائرة ، أو
--> ( 1 ) جمهور النحاة في هذه الآية على أن « أنت » فاعل براغب ، وليس مبتدأ مؤخرا ؛ لما يلزم على كونه مبتدأ من الفصل بين العامل الذي هو « راغب » والمعمول الذي هو « عن آلهتي » بأجنبي وهو « أنت » ؛ فإنك تعلم أن الخبر غير عامل في المبتدأ على ما هو الراجح من أقوال النحاة . فإما أن يكون المؤلف جاريا في هذا على رأي أهل الكوفة الذين يرون أن المبتدأ والخبر ترافعا ؛ وإما أن يكون قصده إلى المبتدأ والخبر ولو بحسب المعنى .